ما هي سبل إعادة بناء مئذنة الحدباء التاريخية في الموصل القديمة؟ أ.م.د. عماد هاني العلاف

أستاذ مساعد،  تدريسي، قسم الهندسة المعمارية، كلية الهندسة ، جامعة الموصل 

 

أ.م.د. عماد هاني العلاف

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.,              عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 تمتلك مدينة الموصل القديمة مجموعة من المعالم والمباني المتميزة ذات القيمة المعمارية التاريخية والتي تمثل جزءا مهما من هوية المدينة وثقافتها. تعرض عدد كبير من هذه المنشآت الى أضرار متفاوتة في المستوى وصل حد بعض منها إلى هدم الجزء الأكبر منها أو حتى الكامل خلال السنوات الماضية نتيجة لما مرت به المدينة من ظروف غير طبيعية. حددت تشريعات المؤتمرات العالمية والمقررات الخاصة بأعمال الصيانة والحفاظ على التراث العمراني عددا من الجوانب التي ينبغي أخذها بالاعتبار عند التعامل مع المباني والمنشآت التاريخية القيمة ووفق سياسات متعددة تختلف باختلاف الحالة المعنية بالحفاظ وتوفر مستويات مختلفة من صون وحماية القيمة المتعلقة بالمنشأ بمختلف أنواعها التاريخية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الاقتصادية وغيرها. هنا، تظهر إشكالية اختيار نوع وأسلوب التعامل مع المعالم التاريخية المتميزة المتضررة في مدينة الموصل لتفرد كل حالة بظروف وواقع حال قد يتباين بشكل كبير عن الحالات الأخرى، وهو ما يستدعي إجراء الدراسات المناسبة لكل حالة منها. كما يظهر جليا كم الجهود المطلوبة لإعمار المعالم المتضررة وضرورة وضع الخطط المناسبة لاستردادها وقيمتها التاريخية التي تستحقها. يهدف البحث الحالي إلى تسليط الضوء على احتمالات السياسات الممكنة والمتوفرة للتعامل مع المعالم التاريخية المتضررة الحالية وتعيين مدى مناسبة هذه السياسات لعدد من المعالم التاريخية في مدينة الموصل القديمة من خلال المقارنة فيما بين نتائج هذه السياسات ومستوى توفيرها لمتطلبات عمليات الحفاظ المحددة في المقررات العالمية المعتمدة، وقد تبنى البحث مئذنة الحدباء التاريخية كحالة دراسية لأهميتها بتمثيلها أهم معلم متميز في تاريخ مدينة الموصل.

 

شكل-1: مشكلة البحث

إعادة إعمار المعالم التاريخية

لما كان الغرض الأساسي من ترميم المباني التاريخية هو حمايتها والحفاظ عليها كما هي، فإن إدخال أي تعديل أو تجديد على تلك المباني و عناصرها يعمل على تغيير معالمها أثناء عملية إعادة البناء للأجزاء المهدمة أو المفقودة منها، وهو ما  يتعارض عادة  مع مفهوم الأصالة Authenticity، عليه ينبغي على المختصين تعيين مدى ضرورة إعادة البناء، والاختيار ما بين ضرورة إعادة البناء للأجزاء المنهارة وبين تركها دون إعادة البناء [الريحاوي، ١٩٧٢، ص8]. وبهذا فقد ظهر تياران متعارضان يزعم الأول بعدم ضرورة استكمال أي جزء ناقص من المعلم كون ذلك يعتبر تزويرا وغشا، وهو ما يعمل على اندثار وفناء المباني التاريخية وبسرعة نسبيا من خلال انهيار وتلف أجزائها بالتوالي، وتيار آخر ينادي بضرورة استكمال الأجزاء التالفة من المعلم التاريخي على الرغم من كون هذه الأجزاء غير معلومة الشكل والتفاصيل. على ذلك، فيما يتعلق بعملية إعادة إعمار وبناء المعالم الأثرية، يرى بعض المتخصصون أنه من غير المناسب محاولة إعادة بناء المبنى التأريخي عندما يكون قد تم تدمير تدميراً كاملاً، أو بقى منه جزءاً بسيطا، إلا إذا كانت معظم المواد المكونة للمبنى الأثري موجودة بشكل يسمح بإعادة تكوينه، فيما يرى الآخرون في الجهة الثانية أن استخدام مواد بناء جديدة في المبنى التاريخي المعاد بنائه في بعض الحالات الطارئة هو ضرورة حتمية، ولكن باستخدام نفس نوعية وخصائص وطبيعة المواد الأصلية القديمة، وهو الأمر الذي قد لا يرضي الطرف الأول، إلا أنه قد يرضي حس العامة والمجتمع، ويعمل على تواصل صورة ذلك المبنى القيم في الأذهان عبر الزمن، ووصوله متماسكا للأجيال القادمة [سيف اليزل، ، ١٩٧٨، ص85]. تتوقف درجة التدخل المطلوبة للحفاظ على أي مبنى أثري أو موقع تاريخي وكذلك الطريقة أو الطرق المستخدمة لذلك على الأوضاع والظروف المحيطة بالمبنى، وكذلك الحالة العضوية له ومسببات التدهور في عناصره [Milderd, F. Schmerter Faia ,1981,]. والأثر أو المعلم التاريخي ليس فقط العمل المعماري ولكن مضاف إليه البيئة المحيطة التي تكون شاهد على حضارته وتطوره وتاريخه [Venice Charter ,1964, Article 1]، ولا يمكن فصل المعلم التاريخي عن التاريخ الذي هو شاهد عليه، ولا يمكن السماح بنقل الأثر جزئياً أو كلياً إلا إذا كان النقل لضرورة قصوى، ولإنقاذ المعلم ذاته، [Venice Charter ,1964, Article 7] . ونتيجة للكوارث الطبيعية المفاجئة أو نتيجة للحروب فإن ما قد يحدث من خسائر أو دمار للمباني التاريخية قد يكون لها طابع مختلف عن تلك الخسائر التي قد تحدث بتأثير الزمن أو التقادم، ذلك أن المباني في مثل هذه الحالات تبقى صورتها حية في فكر المجتمع، وتبقى صورة الأجزاء المهدمة في أذهان الناس، ولوجود غالبا الوثائق من صور ورسومات، بينما غالباً ما لا نجد شاهدا  أو توثيق للتحولات على المباني الأثرية والتاريخية التي تحدث بفعل الزمن، كما أن الآثار التي تتهدم أجزاء منها بفعل الكوارث أو الحروب لا تضيع أجزائها بالكلية في الغالب، بل أن أشكال تلك الأجزاء قد تحدد موقعها الأصلي في المبنى الأثري أو الأثر [سيف اليزل، ، ١٩٧٨،. ص.3- 4]. ومن الأمثلة العالمية على إعادة بناء المعالم التاريخية والتي يمكن القياس عليها ضمن البحث الحالي برج كنيسة سان مارك في فينيسيا – إيطاليا، والذي انهار عام 1902  ليتم أخذ القرار بإعادة بنائه عام 1906  للقيمة الرمزية العالية له ضمن الميدان  الحضري في المدينة. وكذلك عدد من المآذن المهدمة كليا أو جزئيا، كإعادة بناء واستكمال مئذنة مدرسة أم السلطان شعبان بالقاهرة في مصر، و إعادة بناء واستكمال مئذنة مجموعة خاير بك بالقاهرة في مصر أيضا.

 

شكل-2: برج كنيسة سان مارك في فينيسيا – إيطاليا

     

شكل-3: مئذنة مدرسة أم السلطان شعبان قبل وبعد إعادة البناء، ورسم لمئذنة خاير بك والمئذنة بعد إعادة البناء

آليات الحفاظ العمراني

تتعدد الكلمات والمصطلحات المستخدمة في مجال الحفاظ على الممتلكات الثقافية للتعبير عن مفاهيم ومعاني تصب في نهاية المطاف نحو هدف واحد وهو الحفاظ على التراث الثقافي، ولربما كانت هذه المصطلحات لا تعبر فقط عن أفكار أو مفاهيم وإنما عن أساليب أو مراحل أو خطوات تدخل في عملية الحفاظ [المحاري، 2017، ص 147]. إن جميع وسائل التعامل مع المباني الأثرية التاريخية على درجات من الالتزام والمرونة تتدرج من الحفظ وعدم السماح بأي تغيير إلى الإحلال الجزئي أو الكلي [Winter, John ,1983]. وتنقسم سياسات الحفاظ بشكل رئيسي إلى قسمين هما الحفاظ الوقائي Preventive والحفاظ العلاجي Curative [Van Balen K., 2015]، فقد ماثلهاVan Balen  مع حقل الصحة وذلك بمقارنة عمليات العناية العلاجية مقابل الطب الوقائي والصحة المجتمعية العامة. ويمكن تفصيل كلا نوعي الحفاظ كما يلي (Roland May, 2013)،  (ICOM website) :

 

  1. الحفاظ الوقائي Preventive Conservation: ويسمى أيضا الحفاظ غير المباشر، ويتضمن جميع العمليات الوقائية والإستباقية والتي تحول دون أو تؤخر من عمليات تدهور واندثار المبنى التاريخي، وتتضمن كذلك الفعاليات غير المباشرة وغير المؤثرة فيزياويا وفعليا على حالة المنشأ، وتتضمن مثلا إجراءات التوثيق والتسجيل والفحوصات والمسوحات الدورية للمنشأ وعمليات السيطرة على المناخ المصغر وتحديد تأثيرات التلوث والاهتزازات الموقعية، وكذلك الإجراءات التصميمية ضد الزلازل، والتخطيط لسياسات رفع شأن وقيمة المبنى تراثيا واقتصاديا، وعمليات تبادل المعلومات البنائية والوصفية وإدارتها بين الجهات ذات العلاقة وغيرها.

 

  1. الحفاظ العلاجي Curative Conservation: ويسمى أيضا الحفاظ المباشر، فيشمل التدخلات الفعالة المؤثرة على المنشأ وبمستويات عمل متفاوتة بدءا بإجراءات الحماية وانتهاءا بعمليات إعادة الإنشاء الكاملة. وفيما يأتي تفصيل لعدد من هذه الآليات، ابتداء من الأقل إلى الأعلى مستوى من التدخل والتأثير على القيمة التاريخية أو الإنشائية للمعلم طبقا لـ (Bernard . Feilden, 2003 ص 8-12) ،  (The Venice Charter, 1964) (The Washington Charter ,1987) بالإضافة إلى ما ورد من مبادئ وتعليمات للحفاظ على الأماكن التاريخية على موقع  National Park Service  :
    1. الحماية Protection: تشمل جميع إجراءات الصيانة والتدخلات البسيطة التي تساهم في حماية المبنى وتأخير سرعة تدني مستواه الهندسي والوظيفي الحالي. وتشمل مثلا عمليات التنظيف وإعادة الطلاء وإزالة النباتات الملتصقة بالمنشأ ومكافحة القوارض والحشرات المؤذية.
    2. الحفظ Preservation: المحافظة على المبنى وصيانته على الصورة الحالية له ومنع وتقليل تأثير عوامل تدهوره واندثاره وحمايته من الأضرار المستقبلية المتوقعة. ويتضمن أعمال التجديد والإصلاح لجميع الأضرار الناتجة من العوامل المؤثرة على المبنى وذلك من أجل المحافظة على قيمته التاريخية والمعمارية كما هي.
    3. التدعيم الإنشائي Consolidation: تقوية وتعزيز الهيكل الإنشائي للمبنى التراثي من خلال الإضافة الفيزياوية للمواد الساندة والداعمة لغرض التأكد من استمرارية متانة وسلامة الهيكل، وللحيلولة دون تدهور حالته الإنشائية التي تؤدي إلى زوال المنشأ أو سقوطه، دون التأثير على قيمة العناصر التاريخية أو التراثية.
    4. الترميم والاستعادة Restoration: عملية الإحياء والمحافظة على المبنى كما هو وأعادته إلى وضعه الأصلي الذي كان عليه عند الإنشاء أو لفترة زمنية محددة سابقة، وتتضمن مثلا أعمال إزالة العناصر الدخيلة وأعمال التنظيف وأعمال استبدال القطع المتهرئة بأخرى جديدة على أن يتم تمييزها عن مثيلاتها القديمة. وتمثل هذه الآلية التيار المتبنى في كثير من التجارب العالمية خلال العقود الماضية والذي تم تنفيذ العديد من مشاريع الحفاظ من خلاله. كما تشتمل هذه الآلية أيضا سياسة إعادة التجميع Anastylosis (أو إعادة البناء بالمشابهة)، وهي إعادة تركيب المنشأ المندثر من خلال إعادة تجميع قطعه المتناثرة (الحجرية خاصة) وبالدمج مع مواد جديدة عند الضرورة فقط وعلى أساس أدلة ووثائق تاريخية حقيقية ومعتبرة.
    5. إعادة التأهيل Rehabilitation: وتتضمن جميع الإجراءات والتدخلات التي تهدف إلى إعادة إحياء المبنى وظيفيا سواء بنفس الوظيفة السابقة أو أية وظيفة مناسبة ومتوافقة مع وظيفة المنشأ التاريخي الأصلية، وذلك من خلال إجراء التعديلات والتغييرات والتحسينات والإضافات الضرورية (Alteration, Addition & Modification) والمطلوبة لتبني الوظيفة المقترحة، وحسب دراسات مستفيضة وشاملة ودن التأثير على قيم وحالة عناصر المنشأ المختلفة.
    6. إعادة الاستخدام التكيفي Adaptive Reuse: وتتضمن هذه السياسة إعادة الاستخدام التكيفي Adaptive Reuse ، والذي يهدف إلى تبني وظيفة ملائمة ومناسبة جديدة للمنشأ التاريخي تعمل على تعزيز قيمه الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.
    7. الاستنساخ وإعادة الإنتاج Replication & Reproduction : عملية تصنيع نسخة (أو نسخ) طبق الأصل لعنصر أو جزء من مبنى تاريخي وذلك لتضرره أو لوجود تهديد بيئي في حال بقاءه ضمن موقعه، فيتم استبداله بعنصر مصنع طبق الأصل يحل محله، للحفاظ على وحدة موضوع المبنى أو الموقع ، مع الاحتفاظ بالأصل ضمن بيئة محمية كالمتاحف مثلا.
    8. إعادة الإنشاء Reconstruction: إعادة البناء ( إعادة الإنشاء) هي إعادة تجميع أجزاء المبنى الأثري أو التاريخي وتكوينه من جديد بشكل كامل أو جزئي وذلك لإعادة الشكل الأصلي للمبنى [مصطفى، 2009، ص 100]. فهو عملية إعادة بناء عنصر أو مبنى تاريخي هدم أو اندثر نتيجة الكوارث الطبيعية أو الحروب وباستخدام مواد حديثة اعتمادا على وثائق حقيقية معتبرة. وتتضمن أيضا عملية إعادة إنشاء مبنى تاريخي ونقله من موقعه الأصلي إلى موقع آخر بهدف حمايته من خطر وتهديد العوامل الطبيعية والبيئية المحدقة به. كما ويستخدم حاليا هذا المصطلح في إعادة إنشاء المواقع التاريخية والمباني التراثية رقميا عبر إعادة تمثيلها من خلال استخدام برمجيات النمذجة والتجسيم وتكوين فضاء وبيئة الواقع الافتراضي. كما وتشمل آليات الحفاظ سياسات ودرجات تدخل أخرى غالبا ما تشترك فيما سبق ذكره في الخصائص ومستويات العمل أو قد تندرج ضمن مستويات ثانوية للسياسات أعلاه، كسياسات التجديد Renewal والصقل Refurbishment والإصلاح Renovation والاحتفاظ Retention وإعادة الأحياء Revitalization والاسترجاع Retrieving والاستبدال Replacement وإعادة التمثيل Representation وإعادة التطوير Redevelopment. ومن المتفق عليه بين المختصين في حقل الحفاظ على المعالم الحضارية إعادة إعمار المنشآت التاريخية عند توفر الوثائق الكافية لإقامة المنشأ دون استحداث لعناصر لم تكن موجودة أو دون طمس لخصائص المنشأ، وبخلافه فقد جرت العادة على صيانة أطلال المنشأ وتقويتها وتركها في أماكنها وتجميل المنطقة من حولها أو تحويلها إلى متحف مكشوف، فيما تنقل العناصر ذات الدلالة الاثرية والحضارية والعناصر الزخرفية التي يخشى عليها من الاندثار في الجو المكشوف إلى المتاحف لصيانتها والحفاظ عليها [شاهين، 1994، ص 240]. وبناء على ما ذكر سابقا، فان حقيقة مفهوم الحفاظ المستدام حاليا لا يقتصر على المواقع الأثرية والمباني التاريخية المنفردة فقط، بل عادة ما توظف آليات الحفاظ المختلفة لحماية وصيانة جميع المباني المشيدة سواء التاريخية منها أو التقليدية أو الحديثة، وهي لا تبدأ مباشرة بعد انتهاء عمليات تنفيذ المشروع والمباشرة في استخدامه فحسب، بل تبدأ عند تاريخ وضع المخططات الأولية له من خلال توظيف جوانب الحفاظ الوقائي، باستخدام تقنيات نمذجة معلومات البناء BIM مثلا وغيرها، والتهيئة لفعاليات الحفاظ العلاجي كإجراءات الصيانة والفحص الدوري للاستعداد لأية مشكلة مستقبلية متوقعة الحدوث، ولتحديد جدول زمني لإجراء تدخلات الصيانة المطلوبة أو التدخلات العلاجية الأخرى بهدف إطالة العمر الفيزياوي والوظيفي للمبنى المعني، فليس بالضرورة أن يكون المبنى ذو قيمة تاريخية ليتم الحفاظ عليه بأسلوب الإبقاء سالف الذكر، ولكن بهدف حماية الموارد اقتصاديا والنسيج الحضري بيئيا وخصائص المجتمع ثقافيا والتي تستلزم غالبا التوجه نحو سياسات الحفاظ المستدام المختلفة وتبني مجموعة منها ضمن النسيج الحضري الواحد.

 

أسس ومبادئ عملية إعادة إعمار المعالم التاريخية

من الواجب في عملية إعادة إعمار المعالم التاريخية المنهارة الالتزام بمجموعة من القواعد والمحددات المستندة الى القوانين والمواثيق والتشريعات العالمية المنبثقة من خلال اعتمادها على التجارب العالمية السابقة، ، ومن أهمها:

  1. بعد تعيين القواعد والمحددات والأسس العلمية في حقل الحفاظ على المباني والمواقع التاريخية من خلال المؤتمرات العلمية والمواثيق الدولية، أصبح من اللازم خلال التوصيات منح مدى ملائم لحرية ومرونة التعامل مع المباني الأثرية والمواقع التاريخية [Unesco’s Conventions and Recommendations, 1985 P. 191-205].
  2. إن خطط الصيانة والحفاظ تختلف عامة باختلاف طبيعة المكان المعني بالصيانة والحفاظ [ماراسوفيج، تومسلاف ( 1985، ص8]. ولا بد أن تتلائم وتتنوع عمليات الترميم والحفاظ تبعا لنوعية وخصائص الحالة المطلوبة من حيث مادتها وشكلها وسماتها، وذلك على اعتبار أن المعلم التاريخي ليس كيانا ماديا مجردا من المحتوى الفكري والفني والحضاري [شاهين، 1994، ص 10]
  3. يجب التوقف في عملية التدخلات عندما يبدأ التخمين [ICOMOS, 1966, Article 9] ، وذلك عند عدم توفر الأدلة والوثائق الإرشادية المطلوبة لأعمال إعادة البناء للتفصيل المعني.
  4. ضرورة دمج الأجزاء المعاد بناؤها بتوافق وتآلف مع المبنى التاريخي، تزامنا مع تمييزها عن الأصل [ICOMOS, 1966, Article 12]، إذ يتجنب التزييف في تدخلات العمل مع المعالم التاريخية.
  5. دراسة المحيط الحضري للمعلم التاريخي وعناصره وتنسيق الموقع لإعطاء المبنى قيمته الأثرية والتاريخية [مصطفى، بسام محمد ٢٠٠٠، ص3].
  6. لا يجوز إعادة بناء أو استكمال أجزاء مفقودة أو منهارة من أثر ما دون وجود نقاط إرشادية من جسم ذلك الأثر، أو الاستناد إلى سند علمي أو تاريخي مؤكد، وأن يكون ذلك بهدف صيانة الأثر والحفاظ عليه [الجوهري ١٩٨٣، ص ١٤٦].
  7. يمكن الاعتماد على كافة الوسائل المتاحة والمتوفرة لإدراك حدود وتفاصيل العناصر المفقودة من المعلم التاريخي خصوصا عند تميزه بقيمته النادرة، مع تعذر وجود الأدلة الإرشادية، وخاصة الوثائق والرسوم والصور، أو المصادر التاريخية، أو الاستنتاج من مبان أثرية معاصرة لذلك المبنى [البنا، ١٩٩٦ ، ص ٣].
  8. قد تكون المعالجات وتدخلات الحفاظ مقبولة أحياناً حتى لو فقد المبنى بعض قيمته التاريخية، طالما كان الهدف هو الحفاظ على عناصر المبنى متماسكة للأجيال القادمة [Pupageogion, Alexander, 1971].

مما سبق ذكره يمكن تعيين أهم العوامل المتحكمة في اختيار الآلية المناسبة لإعادة إعمار المئذنة، والتي تتمثل بإمكانية صيانة المواد الأصلية للمئذنة، والإبقاء على الموقع الأصلي للمئذنة، وحماية المواد الأصلية للمئذنة في موقعها، وتجنب إدراج مواد وتقنيات حديثة في المئذنة قدر المستطاع وبدون ضرورة، مع الاحتفاظ بأثر المئذنة كعنصر يمثل هوية المدينة، والإبقاء على صورة المئذنة كمعلم حضري في النسيج العمراني للمدينة، واستثمار عناصر المئذنة كمعلم تاريخي وثقافي وسياحي، وإمكانية عرض المواد الأصلية للمئذنة للعامة سواء في الموقع الأصلي أو ضمن صالات المعارض المرتبطة أو المتاحف الحضارية.

 

التعامل مع المعالم التاريخية لمدينة الموصل القديمة

يحوي نسيج مدينة الموصل القديمة عددا من المنشآت والمباني القيمة معماريا وتاريخيا تمثل أحد عوامل الهوية التراثية للمدينة . وبعد تعرض عدد من هذه المنشآت الى أعمال التهديم والتخريب في السنوات الماضية، توجب على المختصين البحث عن أفضل السبل وأيسرها للسعي لإعادة ما يمكن إعادته من هذه المعالم المهمة. ولعدم التمكن في هذه الورقة من تبني سياسة شاملة لصياغة خطة إعمار للعديد من هذه المعالم لحدودها البحثية، سيتم تبني حالة دراسية كمثال يمكن تعميمه على حالات أخرى وذلك بالتطرق إلى أهم معلم تاريخي في المدينة القديمة - مئذنة الحدباء - للقيمة الاجتماعية والرمزية العالية التي تمثلها كأيقونة للمدينة ولجمال صياغتها المعمارية.   

 

مئذنة الحدباء

تتضمن المدينة القديمة في الموصل في العراق العديد من مواقع التراث العراقي، وتعد مئذنة الجامع النوري في مدينة الموصل واحدة من أقدم المعالم الإسلامية الشهيرة في المدينة، وكانت جزءًا من مجمع ديني بما في ذلك مسجد ومدرسة، ويرجع تاريخ بناء المئذنة إلى سنة 566-568هـ/1171-1173م في عهد نور الدين محمود بن عماد الدين الزنكي [World monuments fund]. ولطالما كان ميل المئذنة مصدر قلق وعلى الرغم من الجهود التي بذلت في السبعينيات من القرن الماضي لتحقيق الاستقرار في الهياكل، فقد انتشرت الشقوق على طول قاعدة المئذنة [World monuments fund]. وظلت المئذنة غير مطمئنة، على الرغم من محاولات قامت بها شركة إيطالية عام 1981 لتحقيق الاستقرار فيها [Al-Hadba’ Minaret ، 2011]. وتعد مئذنة الجامع النوري من المآذن النفيسة في العالم الإسلامي وتأتي شهرتها من ارتفاعها الشاهق ومن رشاقتها وجمال الأشكال الزخرفية التي تغطي كامل بدنها ونصف قاعدتها وميلها الذي جعل منها وجهة سياحية عالمية [الراشد، 1983]. يبلغ ارتفاع منارة الحدباء الكلـي 47.8 م، وتتكون من ثلاثة أجزاء رئيسية : أولها القاعدة الموشورية المتكونـة مـن جزئيين الجزء السفلي يبدأ من سطح الأرض ويرتفع بحدود 9.8 م، وهذا الجزء مبني من الحجر والجص والنورة وقد تم تغليفه لاحقا بحجر الحلان. والجزء الأخر من القاعدة هو أيضا قاعدة موشورية فـوق الجزء الأسفل وترتفع فوق القاعدة الأولـى ,وتمتد إلى الارتفاع 17.45 م، وهو مبنـي من الطابوق والجص والنورة ويعتقد أن هذا الجزء أضيف لاحقا بعد أن لاحـظ أهـالي المدينة أن المنارة بدأت بالميلان، ثم الجزء الاسطواني والمكون مـن جسم اسطواني مجوف بقطر خارجي 5.35م  في الأسـفل وقطر خارجي 3.8م  في الأعلى وبسمك متغيـر في الأسفل عنه في الأعلى إضافة إلى وجود عمود اسطواني مركزي صلب  يبدأ عند الارتفاع 9.8 م تقريبـا وبقطـر 1.9م في الأسفل عند الارتفاع 8.9 م يصبح 0.75 م في الأعلى عند الارتفاع 43.2 م. ويـربط الجـزء الاسطواني المركـزي والجـدار الخـارجي للجسـم الاسـطواني سـلميين حلزونيين ينتهيان في أعلى المنارة بصحن دائري عليه جزء اسطواني مجوف ذو قبة نصف كروية.