• أنا أمشي إذاً أنا إنسان
الأحد, 18 حزيران/يونيو 2017 07:28

أنا أمشي إذاً أنا إنسان

قيم الموضوع
(2 أصوات)

توقف المراقب العربي لتطور معايير جودة الحياة في المدن الغربية حائراً، عندما يكتشف أن تشجيع المدينة لساكنيها وزوارها على المشي أصبح متصدرا لمعايير الحرص على حياة أفضل وأصح وأكثر تفاعلاً على المستويات الاجتماعية الإنسانية. كنت قد عدت من رحلة علمية بحثية إلى بلجيكا زرت خلالها ثلاث مدن هي بروكسل ولوفن وانتورب حيث قمت بعمل محاضرات عامة في الجامعات ولقاءات مع الباحثين في برنامج الدكتوراه في العمران والتخطيط.

القيمة الأهم البارزة في المدن الثلاث هي صداقتها الحميمة للإنسان. كل شوارع المدينة وميادينها وفراغاتها مجندة من أجل تجربة مكانية جميلة للإنسان (الرجل والمرأة والطفل والمسن وحتى أصحاب الاحتياجات الخاصة). تذكرت وأنا أتجول في شوارع المدن الثلاث الكتاب الرائع "تصميم الشوارع: السر لمدن ومستقرات عظيمة". التساؤلات الهامة التي كنت أطرحها على نفسي في تجوالي المستمر بشوارع وميادين المدن الثلاث: ما هي العوامل التي تجعل بعض الشوارع جميلة وعظيمة ومحبوبة من سكان المدينة وزوارها؟ لماذا ننجذب إلى بعض الشوارع ونحبها ونتذكرها ونعاود زيارتها ولا نشعر بنفس المشاعر مع شوارع أخرى؟ وهل حقا أن هذه الشوارع تجعل المدينة كلها أفضل وأجمل وأكثر قرباً من الأنسان؟

لقد أثبتت تجربة مناطق المشاة الأمنة أن المواطن والمقيم والزائر راغبين في التجارب الإنسانية الممتعة والتجول في أماكن جميلة يسعدون فيها بالحوار والتفاعل وتذوق الأطعمة والتسوق وهم جميعا سائرين على الأقدام

يتوجه العالم اليوم متسارعا إلى فن وتطبيق تصميم شوارع صديقة للإنسان. وبإيمان كامل بأن الشوارع الجميلة بل بالعظيمة هي السر الأكبر والأهم في تصميم وتخطيط مدن ومستقرات جميلة وعظيمة. هذا التوجه العالمي الذي يتحكم الأن بقوة في بعض أدبيات العمران والتخطيط والمؤتمرات المهمة، ويعني بفكرة خلق شوارع للإنسان وليس للسيارة. وأهمية التعامل مع الشارع كشريان للحياة الإنسانية ومسرح لأحداثها بدلا من أن يكون مجرد محور مروري يحتفي بالسيارات ويمجدها. 

نحو شوارع أجمل وأكثر إنسانية 
إذن القضية ليست فقط وجود ممرات للدراجات أو ممرات للمشاة في مخطط المدينة. إنها نظرة أكثر شمولاً على الشارع، وكيف يصبح مفعماً بالأنشطة ومحفزاً على الحركة ومفعلاً للتواصل المجتمعي. هذا ما نرصده بوضوح في حالة مدن مثل بروكسل أو فيينا أو امستردام أو ميونخ. دعونا نصمم الشوارع في مدن العرب كأماكن للناس وفقط للناس ولإسعاد الناس.

لقد أثبتت تجربة مناطق المشاة الأمنة أن المواطن والمقيم والزائر راغبين في التجارب الإنسانية الممتعة والتجول في أماكن جميلة يسعدون فيها بالحوار والتفاعل وتذوق الأطعمة والتسوق وهم جميعا سائرين على الأقدام. دعونا نصمم شوارع تشجع الناس على الخروج من سياراتهم والسير على الأقدام أو ركوب الدراجات. لدينا في السياق العربي فرصاً مثالية لتصميم مجموعة من أفضل الشوارع الصديقة للإنسان والتي يقينا ستجعل مدن ومستقرات العرب أكثر جمالا وأكثر إسعادا لسكانها وزوارها.

تخطيط الأحياء السكنية الصديقة للمشاة
على صعيد الأحياء السكنية، وثقت العديد من الدراسات البحثية سلبيات الأحياء السكنية الجديدة في المدن العربية والخليجية المعاصرة وخاصة من حيث فشل الكثير من المخططات في تشجيع السكان على السير والتجول والتفاعل الإيجابي مع البيئة العمرانية. ولكن تفتقد تلك الدراسات تفسير أسباب ظاهرة عزوف المواطن العربي والخليجي عن التجول في الحي السكني أو في المدينة ككل كما لم تطرح حلول أو منهجيات لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان.

عندما نتأمل حال الأحياء السكنية في دول عربية متعددة نلاحظ عدم توافر المعايير المسببة لنجاح حركة المشاة بالحي السكني القائم. لذلك نحتاج إلى تقديم حلول ومقترحات لكيفية رفع مستوى صداقة الأحياء السكنية للمشاة وجعل نشاط المشي أمن وكفء وفعال. وفي إطار هذه المنهجية يتم تحليل الفراغات الخارجية في الأحياء المختارة لبيان التجربة العمرانية في كل منها وخاصة من حيث التشكيل الفراغي والنسب والتنسيق وعناصر التشجير ومعالجة الأرضيات والعناصر المكملة والأثاث الثابت والمتحرك والمهيأة للفراغ العمراني.

في إطار مفاهيم التنمية والتحديث تبنت المدن العربية وخاصة الخليجية السيارة كأسلوب متطور للانتقال داخل المدن. إلا أن السيارة جلبت معها العديد من السلبيات التي أثرت على الحياة العمرانية وأصبحت مصدرا للعديد من المشاكل البيئية والاجتماعية

من هنا تأتي أهمية اقتراح منهجية متكاملة لتحسين نوعية التصميم العمراني للحي السكني في المدينة العربية. هذا التحسين ينبع من خلال تفعيل فكرة المشي واستكشاف الحي والمدينة ككل من خلال السير والجولان. ويجب أن تعتمد هذه المنهجية المقترحة على مجموعة من المبادئ والمعايير والأنساق التصميمية والعمرانية والتخطيطية التي يمكن من خلالها تقييم الحي السكني في مرحلة التصميم والتخطيط لتحديد مستوى توافق التصميم مع متطلبات حركة المشاة بصورة أمنة ومتميزة ماديا وفراغيا وبصريا ونفسيا.

على أن تمثل هذه المنهجية منظومة مرجعية يمكن أن تستخدم في المشروعات المستقبلية وفي تحسين المشروعات الحالية على السواء. ولذا يتبلور التساؤل: هل يخضع تخطيط أي حي سكني في اي بلدية عربية لمعايير تقييم ترتبط بقدرته على تشجيع المشي واحتضانه وصداقته للمشاة؟

البقاء للأقوى: انتصار الأسفلت والسيارة في المدن العربية
في الوقت الذي تتخلص فيه المدن الغربية من السيارات وخاصة في مراكزها. بل وتتخلص من الطرق السريعة وتحولها إلى محاور حدائقية مثل حالة مدينة هامبورج، أو تعلن مركز المدينة خالياً من السيارات مثل هيلسنكي، فقد تجاهلت المدن العربية الأبعاد الإنسانية في مخططاتها العمرانية واندفعت إلى سباق تنموي أسقطت منه معايير ترتبط بحقيقة أن المدينة هي نطاق للحياة الآمنة المنتجة والممتعة تسمح بتجاور واستيعاب قطاعات متعددة ومتنوعة من المجتمع الإنساني كالأطفال والبالغين والنساء وذوي الاحتياجات الخاصة.

وأصبح إنجاز المدن العربية في طول الكيلومترات الجديدة من الأسفلت التي أضيفت لرصيدها من الطرق المخصصة للسيارات. ففي إطار مفاهيم التنمية والتحديث تبنت المدن العربية وخاصة الخليجية السيارة كأسلوب متطور للانتقال داخل المدن. إلا أن السيارة جلبت معها العديد من السلبيات التي أثرت على الحياة العمرانية وأصبحت مصدرا للعديد من المشاكل البيئية والاجتماعية وأيضا الجمالية. أهمها تهديد وإنهاء أنساق حياة الشارع التقليدية وعزل الأفراد وتفكيك النسيج الاجتماعي للجماعات الإنسانية. يضاف إلى ذلك ضعف بل تقلص دور الفراغ العام وخاصة الحدائق والمتنزهات والميادين والساحات.

يجب أن تتضافر الجهود من أجل الدعوة إلى مفهوم تنموي جديد للمدينة العربية المعاصرة وهو مفهوم المدينة الحية النشطة الإنسانية. وهذه المدينة المفعمة بالحياة هي مدينة تحتضن في شوارعها وأحيائها محاور حركة للمشاة وراكبي الدراجات. وهي أيضا مدينة مليئة بالفراغات العامة الحدائقية النشطة الجميلة التصميم الجيدة الصيانة وهي مدينة صديقة للطفل والمرأة والمسن وذوي الاحتياجات الخاصة.

صحيا واقتصاديا وإنسانيا وجمالياً وبيئياً يبدو أن المدينة الصديقة للمشاة هي مدينة المستقبل فهل ننتبه في العالم العربي من الأن أم ننتظر كالعادة حين تتسارع معدلات اعتبار الكثيرين من قاطني المدن العربية ضحايا لإنسانية المدينة

إننا نحتاج إرادة جماعية في العالم العربي تمكننا من تبني استراتيجية شاملة لتفعيل مبادرة حيوية لتحويل المدن العربية وبالأخص المدن الخليجية الى مدن متحررة من السيارات تعطي الأولوية للمشاة وراكبي الدراجات وشبكة النقل العام. ايجابيات هذا التوجه متعددة، وخاصة من حيث تحسين المعيشة ونوعية الحياة وتحقيق التنمية المستدامة وتطوير مدن تراعي الأبعاد الإنسانية في تنظيمها ومحاور حركتها وفراغاتها وتنظيمها الوظيفي والتشكيلي والجمالي.

سواء كنا في مدينة خليجية مرتفعة الدخول أو في مدينة عربية محدودة الدخول، فإن القضية ملحة ومهمة. دعونا نتبنى تصميم الشوارع كأماكن تغري الناس على الخروج من سياراتهم والسير على الأقدام وركوب الدراجات واستخدام المواصلات العامة. صحيا واقتصاديا وإنسانيا وجمالياً وبيئياً يبدو أن المدينة الصديقة للمشاة هي مدينة المستقبل فهل ننتبه في العالم العربي من الأن أم ننتظر كالعادة حين تتسارع معدلات اعتبار الكثيرين من قاطني المدن العربية ضحايا لإنسانية المدينة.

..........................................................................................................................................

 

 

188.jpg

علي عبد الرءوف

 

أستاذ جامعي

 

كاتب وناقد واكاديمي ومؤلف ومن اهم مؤلفاتي كتاب من مكة الى لاس فيجاس: اطروحات في العمارة والقداسة. وكتاب مدن العرب في رواياتهم.

 

5359 قراءة
المزيد في هذه الفئة : « "دور العمارة في الحروب"

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

هل تعتقد بوجود علاقة بين العمارة و الحرب؟

نعم - 87.5%
لا - 6.9%

آخر التعليقات